ابن عطاء الله السكندري

154

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

الانتفاع شرعا من غير منع ولا كراهة في عينه ، إنما يكون لعدم ملك المتصرف أو للشك فيه ، فمن توقف من المعتبرين أو رأى استحبابا في التصدق أو كراهة في التصرف فلا يكون واثقا بتحقيق الملك للمتصرف وانقطاع حق غيره منه كمسألة التلقي أو يخشى من تعمير ذمة المعطى إن كان البذل تبرعا كما نقلناه من قول أهل المدينة من جواز شراء العوض الذي اشترى بثمن حرام ومنع قبول الهبة حذرا من استغراق الذمة فليثق الموفق بما انتهى الكلام إليه فهو من لطيف الكلام ولا يغمض معه شيء في النفي والإثبات على المتأمل في هذا الباب ، وكذلك أيضا نقل عن سحنون أن كره المرور على قنطرة بناها رجل كان يسافر إلى بعض بلاد الكفار ، وعن أصبغ أنه كره الاستظلال في جدار / ص 62 / صيرفي ، وهذه أقاويل مطلقة وحكايات عن أحوال قوم مخصوصين لم يعرف كيفية كسبهم ولا حل أموالهم ولا بأي طريق وصلت إليهم ولا ذكر الحاكم أيضا سبب الكراهة فيجب الرد إلى الأصول السابقة ، وإن أمكن عذر عن هذه الفروع فهو حسن وإلا رد الأمر فيها إلى اللّه تعالى على أنه يمكن ردها إلى الأصول ، والوجه في ذلك أن يكون هؤلاء العلماء قد علموا من أحوال من سئلوا عنه غصبا أو ما يصنع من تحقيق ملكه وأمكن عندهم تعيين الدراهم والدنانير وهي مأخوذة من غير أملاك محققة فلم يستقر فيها ملك تحقيقا فلا يتحقق الملك على أعواضها إذا اشترى بها بأعيانها فيكره من هذه الجهة ، ويحتمل أيضا أن يكون ذمة باني القنطرة مستغرقة بحقوق الناس فيمتنع تحبيسه فكره المرور عليها لذلك وكذلك الجواب عن كل ما يورد . ونحن ننقل عن ملك وابن القاسم رحمهما اللّه مسألة في الغصب تبين ذلك كله ، قال مالك رحمه اللّه وابن القاسم أيضا : من سرق طعاما ونقله إلى بلد آخر فوجده ربه بعينه في البلد الثاني قالا فليس لربه أخذه ولا أخذ قيمته ولا أخذ مثله وليس له إلا أخذ السارق بالمثل في موضع السرقة وجعلاه محض حق السارق ، قال ابن القاسم رحمه اللّه : وليصنع السارق به ما شاء هذا نصه ، وكذلك قال ابن القاسم في الحيوان ونصه أنه قال : إذا وجدها ربها بيد السارق في غير البلد أخذه بقيمتها في موضع السرقة يغرمه القيمة الآن ولم يذكر أن له أخذها ، قال / ص 63 / اللخمي يريد أنه لا يتمكن من أخذها . وأما مالك رحمه اللّه فإنه قال إذا وجد المالك ماله بيد أحد في مسألة السرقة أما الطعام فحكمه فيه ما سبق ، وأما الرقيق والدواب فليس لربها إلا أخذها وإن شاء ضمن السارق قيمتها وعلل ذلك بأنها تذهب بأنفسها وأما العروض فربما مخير إن شاء أخذها وإن شاء ضمن السارق بموضع السرقة ، قال مالك رحمه اللّه « 1 » : من غصب سويقا ولته بسمن لم يمكن ربه من أخذه ، وليس له

--> ( 1 ) انظر : المدونة الكبرى ( 4 / 187 ) .